أحمد بن محمد المقري التلمساني

407

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

على غرناطة بسبب الجوع والغلاء دون الحرب ، ففر ناس كثيرون من الجوع إلى البشرات ، ثم اشتد الأمر في شهر صفر من السنة ، وقل الطعام ، وتفاقم « 1 » الخطب ، فاجتمع ناس مع من يشار إليه من أهل العلم ، وقالوا : انظروا في أنفسكم وتكلموا مع سلطانكم ، فأحضر السلطان أهل الدولة وأرباب المشورة ، وتكلموا في هذا المعنى ، وأن العدو يزداد مدده كل يوم ، ونحن لا مدد لنا ، وكان ظنّنا أنه يقلع عنا في فصل الشتاء فخاب الظن ، وبنى وأسّس ، وأقام ، وقرب منا ، فانظروا لأنفسكم وأولادكم ، فاتفق الرأي على ارتكاب أخف الضررين ، وشاع أن الكلام وقع بين النصارى ورؤساء الأجناد قبل ذلك في إسلام البلد خوفا على نفوسهم وعلى الناس ، ثم عددوا مطالب وشروطا أرادوها ، وزادوا أشياء على ما كان في صلح وادي آش : منها أن صاحب رومة يوافق على الالتزام والوفاء بالشرط إذا مكنوه « 2 » من حمراء غرناطة والمعاقل والحصون ، ويحلف على عادة النصارى في العهود ، وتكلم الناس في ذلك ، وذكروا أن رؤساء أجناد المسلمين لما خرجوا للكلام في ذلك امتنّ عليهم النصارى بمال جزيل وذخائر ، ثم عقدت بينهم الوثائق على شروط قرئت على أهل غرناطة ، فانقادوا إليها ، ووافقوا عليها ، وكتبوا البيعة لصاحب قشتالة ، فقبلها منهم ، ونزل سلطان غرناطة من الحمراء . [ استيلاء النصارى على الحمراء وصورة من شروط الصلح ] وفي ثاني ربيع الأول من السنة - أعني سنة سبع وتسعين وثمانمائة - استولى النصارى على الحمراء ودخلوها بعد أن استوثقوا من أهل غرناطة بنحو خمسمائة من الأعيان « 3 » رهنا خوف الغدر ، وكانت الشروط سبعة وستين منها تأمين الصغير والكبير في النفس والأهل والمال وإبقاء الناس في أماكنهم ودورهم ورباعهم وعقارهم ، ومنها إقامة شريعتهم على ما كانت ولا يحكم على أحد منهم إلا بشريعتهم « 4 » وأن تبقى المساجد كما كانت والأوقاف كذلك ، وأن لا يدخل النصارى دار مسلم ولا يغصبوا أحدا ، وأن لا يولي على المسلمين نصراني « 5 » أو يهودي ممن يتولى عليهم من قبل سلطانهم قبل ، وأن يفتكّ جميع من أسر في غرناطة من حيث كانوا ، وخصوصا أعيانا نصّ عليهم ، ومن هرب من أسارى المسلمين ودخل غرناطة لا سبيل عليه لمالكه ولا سواه ، والسلطان يدفع ثمنه لمالكه ، ومن أراد الجواز للعدوة لا يمنع ، ويجوزون في مدة عينت في مراكب السلطان لا يلزمهم إلا الكراء ، ثم بعد تلك المدة يعطون عشر مالهم

--> ( 1 ) تفاقم الخطب : اشتدت المصيبة وعظمت . ( 2 ) في ب « إذا أمكنوه من حمراء غرناطة » . ( 3 ) الأعيان : جمع عين : وهو السيد الشريف في قومه . ( 4 ) في ب « ولا يحكم أحد عليهم إلا بشريعتهم » . ( 5 ) في ب « المسلمين إلا مسلم » .